الاثنين، 30 مارس، 2009

مصطفى ... الصوت والشجن





لا أدعي معرفتي بالفنان الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد، معرفةً تامة لدرجة أن أقوم بتشخيص حالته الفنية أو الإنسانية، بقدر ما أعرف أنه فنان يحرك في داخلي أشياء كثيرة... ففي صوته ذلك الشجن الذي تحس معه بالنشوة حيناً، وبالفرح حيناً آخر، وتتوه معه في الدموع والعذاب أحايين كثيرة... صوت مصطفى يمثل لي كل الحالات والإنفعالات الإنسانية التي تمر بي... فحين أحس بالتوهان ألوذ بصوته وأستنجد... وحين أحس بالفرح أهرع لصوته وأبشره... وحين أحس بالحزن والعذاب أرتمي في حضن صوته الدافيء فينسيني ما بي من أسىً وشجن... وحين تشتد بي لوعة الشوق أحس في صوته المعين لتحمل نار البعاد...

مصطفى حالة متفردة من الإبداع قل أن يجود الزمان بمثلها... كنت وما زلت أتتبع خطاه للتعرف عليه أكثر وأكثر... سمعته أول مرة وأنا أستكشف الغناء السوداني الذي لا أعرف ملامحه جيداً في ذلك الحين... إلا من خلال وردي ومحمد الأمين وسيد الخليفة وصلاح بن البادية –بحكم إستماع الكبار من حولي لهؤلاء- ... وكنت أعتقد أن الفنانين السودانيين ينحصرون في هؤلاء فقط... وبضع آخرين متفرقين يعدون على الأصابع... بدأت أكتشف ملامح صوته ومفرداته التي كانت عصية علي نوعاً ما... أحسست بشيء ما يشدني إليه... شيء غامض لا أفقه ما هو... ما زلت أذكر صوته يشدو:


بلابل الدوح ناحت على الأغصان

طرب وسرور مالت فريع البان


وقلت في نفسي إن في هذا الصوت سرٌ ما... سرً غامض ... ويجب علي أن أكشف ما هو... ظللت أتقصى بعض الأخبار هنا وهناك... وأشنّف آذاني كلما عبرت سيرته في مكانٍ كنت فيه... حتى أيقنت أنه هو الذي يجب أن يكون من أسمع ولا غيره...

بعض أخبار عن إنتمائه السياسي لم أفهمها... كانت سبباً في سخط البعض عليه... ربما لإنتمائهم إلى كيانات أخرى... ولكن هذا لم يهز من المكانة التي وضعته فيها... فما كنت بعد أفهم السياسة وأشياءها... وكان صوته وحرفه وموسيقاه هي الهدف الوحيد... فما يفعله في حياته الخاصة وإنتماءاته رهن به وحده ولا دخل لي فيها... ما دام هو مواصلُ في إبداعه الذي يسكرني... وما زلت عند رأيي أن إنتماء الفنان لأي كيان سياسي ما لا ينفي كونه مبدعٌ بشكلٍ أو بآخر... رببما يختلف معي البعض في هذا... ولكن يجب أن نتعامل مع كل حالة عى حدة.

هذه الحروف ليست بحثاً في صوت مصطفى وأغنياته... بقدر ما هي محاولة للبوح "بالريدة" والعشق لهذا المتفرد الذي رحل وأنا في أشد الحوجة له ولصوته وأغنياته... ولكن يبقى العزاء في أنه خلد فينا بما خلفه من إرثٍ، وأعني بالإرث تلك الدروس والعبر التي تحتويها أغانيه إن كانت في النضال أو الحب والعشق أو في أي منحى من مناحي الحياة المختلفة...

سيظل صوت مصطفى باقٍ يرن في آذاننا ما بقينا... وسيظل ذلك المحرك لكل المكنونات المعرّفة والمجهولة بالدواخل الإنسانية عبر كل الأزمان...


مصطفى...

أحبك

وكفى

هناك تعليقان (2):

  1. الله يا نحلة محكر .. ما اجمل هذه الواحة الظليلة وهذه الكلمات الشجية وهذا الشجن العابق من اعطاف انسانة يبدوا لي انها تحتكر الصمت بلاداً من امان اكثر وتبحر فيه اكثر من واقعنا المؤلم , حيث يبدوا لي انكِ من عشاق الليل وسطوة النجوم على ساحاة السماءِ هادرة , تبعث فيك هذا الشجن الناعم والممزوج بمسحة من الوجع الذيذ , فما اجملك وانت هنا غير هنااااااك .

    لكِ تحياتي ومودتي/ علوب

    ردحذف
  2. يسرية محكر3 يونيو، 2009 7:47 م

    كل ما قرأت هذه الأحرف ادخل فى دوامة من الحزن الطويل بحيث لا اجد طريقى بين الأرض والسماء فى عالم لا متناهى من اليأس ؟ لماذا وانت كما فى رسمك الجميل مليئة بالحياة , ارجوكى ان تحاولى مرة اخرى لا تستلمى صديقتى فكلنا هنا لأجل ان نضئ الدرب للآتين من صلب الظلام والباحثين عن الحنين , فنحن من زمن الجمال و نحن نسل الطيبين
    لك حب ووعد وتفائل/يسرية

    ردحذف