الخميس، 7 يناير، 2010

الكتابة .. عبق الروح .. ونبض الوجدان



كل يوم نسطر ملايين الملايين من الحروف عبر كل الوسائل المتاحة للكتابة، منها ما يكون مصنوعاً لا تحسه ولا يحرك في دواخلك شيئاً، ومنها، وإن كان سطراً واحداً، ما يتغلغل داخل وجدانك ودواخلك ويحرك كل الكوامن الموجودة فيه، وكأنه بركانٌ خامل إنفجر دون سابق إنذار، أو كأنه إعصار "تسونامي" أغرق موجه كل عصب فيك وهز أركانك بقوة هادرة.

قد نقرأ حروفاً لأقلام معروفة ومتميزة، وأعلام لها خبرةٌ ودراية في مناحي الحياة ودروبها المختلفة، ولكنها قد لا تؤثر فينا، ولربما نحس بأنها قد لا تساوي ما سكبوا فيها من مداد، وما خسروه من وقت وجهد، فالكتابة التي تحرك الوجدان وتستقر في القلوب، ليس من شروطها أن تكون خارجةً من قلم معروف، واسم له مكانة أو شخصٌ ذو شأن، فالكتابة الحقة الصادقة، هي التي تكون ممزوجةً بعبق الروح، ومسطرةً بنبض الوجدان وصدق المشاعر ونبلها، هي التي تمس شغاف القلوب، وتحرك ساكن الأحاسيس والعواطف، تحسها وأنت تقرؤها، كأنها نسمةٌ عليلة مرت عليك في حر صيفٍ قائظ، أو كأنها رشةٌ عطرٍ أخاذ، إلتقطته حواسك وأيقظ كل خليةٍ فيها، أو هي كصوتٍ دافيء لمغنٍ يحمل صوته شجن الدنيا كلها وحنينها، تسمعه روحك قبل أذنيك، فتسمو نفسك، وترتفع عن تفاهات الحياة وصغائرها، وضغائنها وأحقادها.

الكتابة هي ما يسمو بالإنسان ويرتقي بروحه، مهما كان كاتبها، شخصاً ذو شأو ومكانة ورفعة، أو إنسان بسيط لا يملك من الدنيا ومتاعها إلا هناءة البال وراحة النفس.

أنا ما كتبتك يا حرف بعد

لا... ولا رسمتك في ورق

أنا ما سطرتها الكلمات

ما زوقتها ...

ما حاولته ذاك النسق

أنا ما جاوزته حدٌ اللغات

ما سابقته خطُّ الأفق

ما زاحمتها النجمات في عليائها

ما نازعته البدر البهيُّ

سحبته تاج الضياء والألق

حرفي ...

طائرٌ أفرد للرياح

جناح عشقٍ فانطلق

يعوذ بالشجن الدفيء

يلوذ بالمآقي والحدق

حرفي...

حنينٌ ...

وعدٌ تفجر وانبثق

نورٌ تلألأ باسماً

زهرٌ ربيعيٌّ عبق

حرفي ...

إبتهاجٌ بالمعاني

وإحتفاءٌ بالحروف

سابقها حيناً ... وسبق

ومازلت...

لم أكتبك يا حرف بعد

لا ولا سطرت حبرك في ورق


نشر هذا المقال، اليوم الخميس 7/1/2010

بالمشهد الثقافي لجريدة الأخبار